حرمانٌ يمص دمـي

 

ليس لي ذنب لكل مايحدث للعالم، لست المسؤول عن الفقر والجوع، المرض والوباء والموت، القتل والدماء ولست من أكتشف الضيم والقهر للعالم ولست من  اخترع  الكذب ولا زرعت الخيانة في حقولنا، لم أشتري الشقاء بمال جدي ولست أنا من يكتب الأقدار ولم أكتب مقدار الحياة لأحد ولم أرد أن ينفجر دخان هذا الكون من الأساس، سيدتي كيف لي ذلك فوالذي نفسي بيده إن أحدنا ليحاول أن ينقذ نفسه من كل شبابيك الحياة الشائكة، ولم أكن أفضل البقاء وحدي لأنني أحب نفسي لتلك الدرجة فأختلي بها،ولم أعثر على الوحدة ملقية في الطريق فاحتفظت بها لنفسي، من  لا يريد أن يكون سعيداً، ولا أن يكون صافي الذهن مرتاح البال !!! لم أرغب في البكاء لأنني ضحكتُ كثيراً ولم أخلُق الحزن لنفسي ولم أبيعه لأحد أيضاً، ولم أُرغَم يوماً في أن أتعلق بشخص حتى أمي التي أفديها بروحي...

فماذا عنكِ من أنتي؟ إنني لم اقرأ الأذان في إذنكِ عند ولادتك ولم أقم الصلاة كذلك ولم أختر لك إسمك الذي أخبرتيني إنك لا تحبيه أحيانا، لم أكن أنا من يشتري لك ألعابك في طفولتك ولم أكن أرافقك كل يوم إلى المدرسة ولم اصطحبكِ إلى الجامعة يوماً ولم نجيب على نفس السؤال في أي مرة أنا لم أرغم لعيني أن تمعن النظر في جمال إبتسامتكِ وسحرها ولا أُذناي أن تسغيا لضحكتكِ وحلاوة ألحانها وعذوبة ترددها، ولم أرد أن أختبر قوتي على تحمل حديثكِ المتزن في جل غضبك او حينما تتلعثمين خجلاً لتنطقين حروف أسمي أكثر من مرة عندما نتنافس الحديث، ولم أترجاك لتنطقي تلك الكلمات التي تضحكني دائماً، ولم أشر عليكِ يوماً أن تلبسين ثوباً أحمراً او لوناً فاقعاً يُسر به ناظري فأخجل حين أشعر إنك تفهمين انني معجباً به، ولم أختر طولاً لقامتكِ التي تأسرُني في كل مرة أراكِ فيها، ما كان لي أن أمنع جنونكِ وطفولتكِ التي ترافقك بين الحينة والأخرى ولم يكن لي أن أمنع رؤياكِ في نومي كل ليلة ولم أحدد المشاهد وموضعها في كل مرة أراكِ بها حلماً، فيزورني طيفكِ  "على ضفاف نهر و بحر تارة وفي سفوح الوادي الأخضر تارة أُخرى حيث تقولين أنه يشبه وادي قريتنا غير أنه واسعٌ جداً أتذكر حدثتك عنه ذات مرة، فأهز رأسي أن نعم غير إنني لا أذكر إلا حديثكِ عن جمال قريتكم التي تشبه الجنان في خضرتها ثم نفترش الواحة ونأكل الطاعم وينزل المطر فيظهر القمر وتغيب الشمس ونشرب الماء بالقداح من بئر مكة فتبتهلي بالدعاء وتقبلين يدي وتحمدي الله على وجودي إلى جانبك وأختبئ عليكِ ولكن لا أقدر على تخوفك وفي نفس اللحظة يظهر جوادين فيتبين لنا إن أحدهم ذكر بني اللون والأخرى أنثى شديدة البياض فنفرح فرح شديد ثم ننتطيهما كُلاً منا على جنس ما يحب ثم أخبركِ بأن تعطيني المشرط وأن تساعدينني بإيقاف النزيف وأنه يجب علينا أن نسرع قليل ثم يتعافى المريض فنسرُ كثيراً وأحتسي قهوتي المُرة التي أعشقها كالعسل لأنها من صنع يديك فتخبرينني بأنكِ تحبينها بالحليب والقرفة فتبكين فجأة وتنهمر دموعك فأحزن حزنا شديدا لأجلك، فهكذا هي  مجنونة ومخلوطة أحلامي في كل ليلة

سيدتي لم تكن حدود قدرتي أن أجعل من قلبك شديد الرحمة ولم أقل لعنادك أن يبهرني جداً و ليس لي أن أخيط كل تلك التشابهات بيننا في الطموح وفي الرأي والمنطق ولم أرد أن أعجب بذكائك دون غيركِ فقد ولدت معجبا بالذكاء، وتالله لم يحصل قلبي على حبكِ كجائزة في معركة كان هو البطل فيها فيتمسك به كما لو أنه كان موجود في الأزل بل لم أجبره على أن يعشقكِ كل ذلك العشق ... 

 سيدتي لم أرغب أبداً بالكتمان الذي يمزقني كل لحظة، اتعلمين؟ 
لم اؤمن يوما بأن الحب تهمة لأحد ولم أجعل منه ذنباً يقترفه من كان له قلب فلماذا ثم لماذا يحدث كل شيء رغم إنني لا أطلب منه شيء لنفسي ولا لغيري لما ثم لما ولماذا ، الآه؟   

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الهوية (الحفيد يناقش جده على ما يراه في التلفاز بينما جده يشرح له عن التراث وخيرات البلاد المنهوبة)

الحكم والعدل